كلمات كتبتها.. اليوم أحفظها كي تبقى

مجموعة منتقاة عشوائيا من كتاباتي في حولية " السلام عليكم" التي كانت تُنشرُ أسبوعيا في صحيفة أسرار الجزائرية الأسبوعية المتوقفة عن الصدور منذ شهر مارس 2010. و الى جانب النصوص التي كانت قد نُشرت ورقيا، فضلت استخدام الأنترنت لمواصلة الكتابة.. لمن يقبل بأن يقرأ لي.

الأربعاء، 25 مايو، 2016

و أخيرا سلطة ضبط !



مساء يوم الاثنين 23 ماي الجاري أدرجتُ مُشاركة بعنوان " تخلاط و تجلاط " من بين ما جاء فيها:

القانون أقرّ إنشاء سلطة الضبط هذه، و حدّد صلاحياتها و كيفيات تعيين أعضائها. بعد شهور من التماطل و الغموض، قالوا لنا أنه تم تعيين السيد ميلود شرفي رئيسا لهذه السلطة، ثم صدر المرسوم الذي علمنا بموجبه، قيمة الأجر الذي يتقاضاه السيد ميلود شرفي مقابل مهمته على رأس هذه السلطة. لكن من منا تعرف على باقي أعضاء سلطة الضبط هذه ؟! أنا شخصيا لا أعرف إلا أمرا واحدا، و هو أن ميلود شرفي هو سلطة الضبط، و سلطة الضبط هي ميلود شرفي !
" ما بيناتنا هاذي سلطة ضبط هاذي ؟! " " هاذي خدمة هاذي ؟! " "هذا تمسخير". هذا " تخلاط و تجلاط ".
بعد شهور من عمل سلطة الضبط التي يجسّدها شخص واحد اسمه ميلود شرفي ، أنهى المسؤولون مهام هذا الأخير و عيّنوه عضوا في مجلس الأمّة.. مبروك عليه.. ربّي يسهّل عليه. لكن بديل السيد سلطة الضبط، من هو ؟! البديل جاءنا على لسان وزيرهم للاتصال حميد ﭬرين الذي قال للجزائريين أنا هو سلطة الضبط !
يرحم والديكم، ما هذا ؟!
ياوووو عيب !
يا جماعة: "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ".

مساء اليوم 25 ماي ، بدأت المواقع الاخبارية تتناقل خبر تعيين السيد زواوي بن حمادي رئيسا لهذه السلطة. الخبر الذي لا أعلم إن هو تأكد رسميا أم لا، يفيد أيضا بأن أصحاب القرار عيّنوا ( لأول مرة ) أعضاء سيشاركون رئيسهم في مهمة ترتيب أمور قطاع السمعي البصري و ضبطها.. لا و ماذا أيضا ؟ تم أيضا تعيين أمين عام لهذه السلطة.. الله أكبر !

طبعا لا تعتقدون أن كلماتي المغبونة هي التي قادت السلطات العمومية إلى تدارك الموقف في أقل من 48 ساعة.. لالا jamais ، فأنا لا أعرف أفضل من الفهايمية المُقيمين في " دزاير " ، ثم ان أصحاب الحلّ و الربط لا يسمعون إلا إلى أناس " دزاير " و صحافيي " دزاير" و  كتاب " دزاير " و محللّي " دزاير " و خبراء " دزاير " .. لا أبدا.. إنها مجرد صدفة لا أكثر.

تُصبحون على خير.

الاثنين، 23 مايو، 2016

تخلاط و تجلاط !



الظاهرة معروفة و تكاد تخصّ الجزائر دون سواها من بلدان العالم تقريبا. أغلب القنوات التلفزيونية الخاصة النشطة بالجزائر، أسّسها نشرو الجرائد. بعبارة أخرى أصحاب الجرائد استثمروا في عالم التلفزيون. OK .معروف أيضا أن أغلب هذه القنوات التي تنافس الأحزاب السياسية من حيث العدد، تم تأسيسها خارج الوطن، و تبثُّ عبر السات ( من غير مزيّة مؤسسة البث الإذاعي و التلفزيوني العمومية ).. و السلطات الجزائرية تعتمد أغلبيتها كمكاتب لقنوات تلفزيونية أجنبية لا أكثر.
بصراحة، هل المادّة المقدّمة من قبل تلك القنوات، مادّة تنتجها مجرد مكاتب معتمدة لا أكثر ؟!
هل يمكن لمكتب قناة " فرانس 24 " بالجزائر، مثلا أن يعمل كما تعمل " النهار " أو " كي بي سي " أو " البلاد " ؟!
المعروف و المُستهلك أن نشاط مكاتب القنوات التلفزيونية محدود جدا جدا.  
نشرات اخبارية و حصص مباشرة و أخرى مسجّلة و اشهار و عمّار بو الزّور.. و يقولون لنا، إنها صادرة عن مجرد مكاتب معتمدة لقنوات أجنبية، ثم يأتي سي سلاّل اليوم و يهدّد بغلقها !
" يزّيونا من التّمسخير " !
هذا يُسمّى في القاموس الجزائري " تخلاط و تجلاط ". و المسؤول عن هذا التخلاط و التجلاط، هم القائمون على تسيير شؤون هذا البلد الحزين.
بعد قرارها بفتح نافذة على حرية العمل التلفزيوني ببلادنا، كان جدير بالسلطات العمومية أن تتأنى إلى حين سن كل القوانين، و إصدار الكمّ الضروري من النصوص التنظيمية، و تشكيل ما يُسمّى سلطة الضبط، ثم تفتح باب إيداع ملفات طلبات الاعتماد على أساس دفتر الأعباء( le cahier des charges الذي يتحدث عنه سي سلاّل الآن ).
بالمناسبة، دعوني أشير إلى أمر فاضح في قضية سلطة الضبط التي يتحدثون عنها.
القانون أقرّ إنشاء سلطة الضبط هذه، و حدّد صلاحياتها و كيفيات تعيين أعضائها. بعد شهور من التماطل و الغموض، قالوا لنا أنه تم تعيين السيد ميلود شرفي رئيسا لهذه السلطة، ثم صدر المرسوم الذي علمنا بموجبه، قيمة الأجر الذي يتقاضاه السيد ميلود شرفي مقابل مهمته على رأس هذه السلطة. لكن من منا تعرف على باقي أعضاء سلطة الضبط هذه ؟! أنا شخصيا لا أعرف إلا أمرا واحدا، و هو أن ميلود شرفي هو سلطة الضبط، و سلطة الضبط هي ميلود شرفي !
" ما بيناتنا هاذي سلطة ضبط هاذي ؟! " " هاذي خدمة هاذي ؟! " "هذا تمسخير". هذا " تخلاط و تجلاط ".

بعد شهور من عمل سلطة الضبط التي يجسّدها شخص واحد اسمه ميلود شرفي ، أنهى المسؤولون مهام هذا الأخير و عيّنوه عضوا في مجلس الأمّة.. مبروك عليه.. ربّي يسهّل عليه. لكن بديل السيد سلطة الضبط، من هو ؟! البديل جائنا على لسان وزيرهم للاتصال حميد ﭬرين الذي قال للجزائريين أنا هو سلطة الضبط !
يرحم والديكم، ما هذا ؟!
ياوووو عيب !
يا جماعة: "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ".  

الأحد، 5 فبراير، 2012

روسيا و الصين.. مزيدا من الفضائح من فضلكما !


"إذا ما أصرّ أعضاء مجلس الأمن على عقد هذه الجلسة، في محاولة منهم لتمرير هذا القرار.. فستحدث فضيحة، لا محالة" هذا اقتباس يختصر موقف روسيا من مشروع القرار المتعلق بسوريا، الذي أرادت الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، بريطانيا و التوابع، من مجلس الأمن أن يصادق عليه. لكن روسيا و الصين استعملا حق النقض " الفيتو" و لم يمرّ القرار.. فتعالت الأصوات: " يا للفضيحة".. هذا يقول أن الموقف الروسي و الصيني يثير الاشمئزاز، و ذاك يردد أن هناك دولتان تعيقان عمل المجلس (مجلس الأمن)، و الآخر يستنكر و يهدد باستعمال طرق أخرى لتحقيق مآربه، و التوابع يندّدون.. " زيطة و زمبليطة" .. الأمريكيون و توابعهم أقاموا الدنيا و لم يقعدوها لأن هناك من تجرأ على استخدام حق لطالما سمعت عنه أجيال البشر في دروس التاريخ و العلوم السياسية، و قرأ عنه المتقاعدون في الجرائد و تحدث عنه الخبراء في القنوات التلفزيونية و المحطات الإذاعية، و لكن كم منا و من باقي سائر مخلوقات الله، يتذكر أن حق النقض هذا أُستخدم في مجلس الأمن من دون الأمريكيين.
وحدها الولايات المتحدة الأمريكية أو تقريبا وحدها، ظلت تحتكر حق النقض في تلك الهيئة المسماة مجلس الأمن. و عندما تجرّا الرّوس و معهم الصينيون على استخدام ذلك الحق، صرخ الآخرون " يا للفضيحة " !
إن الأمريكيون أرادوا دائما لمجلس اللا أمن و ليس مجلس الأمن أن يكون عاهرتهم الخاصة. أي نعم، يحق للآخرين أن يشاهدوا تلك العاهرة، أن يتحدثوا لها و عنها، أن يتغنوا بها إن أرادوا، أن يغازلوها لم لا.. لكن أن يفعلوا بها.. فهذا ما هو ممنوع و محرّم. و هذا ما كان دائما للأمريكيين.
مرة.. مرة واحدة.. استخدم الرّوس و الصينيون حقّا تقرّه مواثيق و أدبيات الأمم المتحدة فقامت الدنيا و لم تقعد!
إن مجلس الأمن هذا، يتفق بشر الكوكب و تتفق معهم كل المخلوفات الذكية التي قد توجد هنا و هناك في هذا الكون الفسيح، على أنه مجلس ظالم ، باطل ، فاسد و مُفسد. مجلس يشهد الكل على أن لديه بابان.. باب يدخل منه الحق. هذا الحق لا يخرج من الباب الثاني إلا و هو باطل.
لسنا بحاجة لإجهاد ذاكرتنا لكي نسترجع أمثلة قريبة منا زمنيا عن الجرائم التي ارتكبت تحت غطاء مجلس الأمن في حق العرب و المسلمين. ليبيا و العراق يكفيان في هذا المقام.
باسم العدالة الدولية يقصفون، يقتلون، يدمّرون، ثم يقدمون فاتورتين للتسديد ، فاتورة نظير ما فعلوه من أجل ما يبدو لعملائهم و أنصارهم و أعوانهم العرب و المسلمين أنه تدخل من أجل القضاء على الدكتاتورية و الطغيان و من أجل إقرار الديمقراطية و ما إلى ذلك من الأغاني الركيكة التي ألفنا سماعها. و الفاتورة الثانية تخص إعادة الاعمار. يدمّرون مقابل مال سهل، و يعيدون بناء ما دمّروه بمال أسهل.
دولة عظمى مثل روسيا، استقالت طيلة العشرين سنة الأخيرة على الأقل، و تركت الساحة للأمريكيين فعاثوا في الأرض فسادا. اليوم روسيا ترفع يدها في وجه الأمريكيين و تقول stop . شيء جميل، و إن كنت شخصيا لا أثق مطلقا لا في الرّوس و لا في الصينيين و لا في أي " حلّوف" آخر في هذا العالم المكيفيللّي المنافق الجبان الرخيص. و مع ذلك، أنا شخصيا أستمتع برؤية الأمريكيين و الفرنسيين و البريطانيين و خدمهم و حشمهم العرب و هم يقعدون على زجاجات مهشّمة بالتعبير الزقاقي الجزائري الذي لا أجد أروع منه في مثل هذه الحالات. شيء جميل.. آه.. جميل.. والله جميل !
ما يحدث في سوريا أو في أي بلد عربي آخر.. شيء. و ما يحدث في مجلس الأمن و تحت أقبية البيت الأبيض الأمريكي شيء آخر.
أن يقرر الشعب السوري تغيير نظام حكمه، شيء. أن تسعى الولايات المتحدة الأمريكية و كلابها على اختلاف جنسياتها و لغاتها، إلى التدخل في سوريا تحت عنوان " حماية المدنيين في سوريا" مثلا، فهذا شيء آخر. و هذا الشيء الآخر فهمته دولتان مثل روسيا و الصين و لو بتأخر.. و هذا الشيء الآخر هو الذي وقفت الدولتان ضدّه.
أميركا غوانتنامو تريد إقناع العالم بأنها غيورة على حقوق الإنسان.. أميركا التي هددت منظمة اليونسكو بوقف تبرعاتها المالية لها، إذا ما صادقت على انضمام فلسطين إليها كدولة كاملة العضوية تطمع في إيهامنا بأن الإنسان العربي هو همّها الأول و الأخير!
فرنسا التي إلى يومنا هذا.. إلى هذه اللحظة، ترفض تقديم الاعتذار للشعب الجزائري نظير الجرائم الابادية التي اقترفتها في حقه طيلة ما قارب القرن و نصف القرن من الاستعمار ، تجرؤ على الحديث عن جرائم يقترفها نظام بشار الأسد في حق الشعب السوري!
لقد فهم الرّوس و معهم الصينيون أن أي قرار يصدر عن مجلس الأمن بشأن سوريا، حتى لو كان ذلك القرار مجرد ورقة بيضاء، سيفضي إلى حدوث ما حدث في ليبيا. ففي البلد الذي كان يحكمه القذافي، نتذكر جميعا كيف أن الحديث لم يكن يتعدى نطاق إقامة حظر جوي لمنع قصف المدنيين الليبيين أو هكذا قيل.. البقية نعرفها جميعا. و هذا ما يحول " الفيتو" الذي رفعته روسيا و الصين دون تكراره في سوريا.
من تونس.. إلى مصر.. إلى ليبيا.. حدث ما حدث، لكن و بما أن العبرة بالنتائج أو بالخواتم، فإنني أتساءل اليوم و أدعوكم أيها الأصدقاء إلى أن تتساءلوا معي: ماذا حقق الإنسان العربي مما أوهموه بأنه " ربيع عربي".. ماذا حقق؟ .. ماذا حقق .. عدا الخراب و الدّمار و الحرق و السرقة و النهب و الاعتداءات على الممتلكات العامة و الخاصة و الشلل الاقتصادي بفعل الإضرابات و الاعتصامات و هروب الشركات الأجنبية، و القتل و الإجرام.. و كثيرا من التمرّد. أمن أجل وضع مترد كهذا مات من ماتوا في تونس، مصر، ليبيا، اليمن ؟ و أخشى ما أخشاه أن يموت من ماتوا و يموتون في سوريا من أجل ذات النهايات التعيسة.. من أجل استبدال الدولة البوليسية بدولة البلطجية، و تعويض النظام الأحادي أو الدكتاتوري أو الشمولي أو الاستبدادي بنظام اللا نظام.. نظام الشوارع. Une injustice qu'un désordre .
أعرف بأن مثل هذا الكلام لا يريق الكثيرين ممن ألفوا جرعات " الجزيرة" و " العربية" و مع ذلك، أصرّ على رأي و أقول بأن الإنسان العربي أثبت عقب "ربيعه" مباشرة و دون انتظار، أنه إنسان غير جدير لا بالحرية و لا بالديمقراطية. يؤلمني أن أقول هذا، و لكن دعوني أقوله أيها الأحباء. دعوني أقول أن هذا الإنسان أثبت بما يكفي أن ملايين السنين الضوئية لا تزال تفصل بينه و بين الديمقراطية.
ما أبعد الديمقراطية عنا، و ما أبعدنا عنها.
لقد أكد هذا الإنسان، مرة أخرى و أخرى أنه لا يفهم إلا لغة "العصا" و الرصاص و الغازات السامّة و في أحسن الأحوال القنابل المسيلة للدموع. عن العصا، اسألوا دول الخليج العربي . هذه الأخيرة يهمّها حق الإنسان الليبي و السوري في التظاهر و في تغيير أنظمة حكمه. لكن ما أن تخرج حفنة من الخليجيين في هذا البلد الخليجي أو ذاك، كما وقع في البحرين ، حتى تجد أمامها قوات الدرع الخليجي.. تصوروا معي قوات مدرّعة من عدة دول - حتى لا أقول دولية- لمواجهة حفنة من مواطني دولة ما خرجوا للتظاهر، و ما البحرين إلا نموذج حي لهذه الحالة المقزّزة التي و بكل غرابة لا تثير اشمئزاز لا الولايات المتحدة الأمريكية و لا فرنسا و لا بريطانيا، كما أثار الفيتو الروسي الصيني، اشمئزازهم !
في المملكة العربية السعودية، في الكويت، في البحرين، في قطر.. العصا لغة واحدة يخاطب بها الملوك و الأمراء شعوبهم. العصا هنا.. حلال عليهم، حرام على بشار الأسد في سوريا ؟!
في نفس هذه اللحظات التي أكتب فيها هذه السطور، أنا أتابع على التلفاز مشاهد لعناصر الشرطة الأمريكية و هم يستخدمون الهراوات دون رأفة و لا شفقة ضد أمريكيين ينتمون إلى حركة "احتلوا وول ستريت" تجمعوا في ساحة قريبة من البيت الأبيض الأمريكي للتعبير عن مناهضتهم لخيارات اجتماعية اقتصادية. أم أن العصا الأمريكية لا تثير اشمئزاز أحد ؟!
إذا كان الحاكم العربي قد أثبت بأنه عدو للحرية و الديمقراطية لأنهما يمنعانه من البقاء و الخلود في الحكم، فان الإنسان العربي برهن في المقابل أن ملايين السنين الضوئية لا تزال تفصل بينه و بين الديمقراطية.. بل و أجرؤ على القول بأن الشعوب التي لا تعرف كيف تحافظ على استقلالها من الاستعمار .. لا تستأهل لا حرية و لا ديمقراطية.

الاثنين، 7 مارس، 2011

" آل ايه... سقط النظام !"

ما هذا الذي يحدث اليوم في ليبيا.. و في اليمن و البحرين و سلطنة عُمان.. و ما ذاك الذي حدث في تونس ؟!.. الكل يتحدث عن ثورات شعبية و ثوّار و أنا أقرأ و أستمع و أرى .. و أتساءل بسذاجتي المعهودة: يا سبحان الله.. من أين خرجت كل هذه الثورات " المباركة" و أين كان يختفي كل هؤلاء و أولئك الثوار الأبطال ؟ يا سبحان الله، الشعوب العربية أصبحت تنتفض ضد حكامها و تقود الثورة تلو الأخرى لتحرير نفسها من قادتها التي فجأة اكتشفت أنها عدوتها رقم واحد !
من اليمن.. إلى البحرين... إلى ليبيا.. العرب يخرجون إلى الشوارع رافعين شعارا رئيسيا واحدا تعود حقوق ملكيته للشعب المصري: " الشعب يريد إسقاط النظام".
الشعب يريد.. يريد ماذا ؟ .. انه يريد إسقاط النظام !
الشعب إذن، يريد إسقاط النظام !

من هو النظام ؟

المعروف أن المقصود بالنظام هو " نظام الحكم" le système dirigeant . المصريون، و إن اقتبسوا "ثورتهم" من التونسيين، طالبوا منذ 25 جانفي ( يناير) 2011 بإسقاط النظام ، فما كان إلا أن سقط رئيسهم حسني مبارك و غادر حكم البلد. فهل يمكن الحديث هنا، عن نجاح المصريين في إسقاط النظام ؟ حتى و إن ذهب حسني مبارك و صفوت الشريف و شلّة من الأسماء اللصيقة به و التي أصبحت تُعدُّ رموزا للسلطة في مصر، أعود و أتساءل و أسأل: هل سقط النظام في مصر؟ كل الوجوه التي تطلُّ عليّ في القنوات التلفزيونية الفضائية العربية، متأكدة من أن مطلب سقوط النظام في مصر قد تحقّق. لكل هؤلاء أنا أقول: لم يسقط أي نظام لا في مصر، و لا في تونس و لن يسقط أي نظام لا في ليبيا و لا في اليمن، أو البحرين أو سلطنة عُمان أو بعد حين في المملكة العربية السعودية أو قطر أو سوريا أو الجزائر أو المغرب أو في أي بلد عربي آخر. أنا هكذا أفكّر و من سوء أو حسن حظي و حسن أو سوء حظ أمثالي أن الشيخ يوسف القرضاوي لا يفكّر نيابة عنا، و أننا لا نرى بعيني قناة " الجزيرة" و من فيها و من خلفها و من أمامها.. و أننا لا نستوعب لغة قناة " العربية" التي لا أفهم لماذا أطلقوا عليها اسم " العربية" بينما، الذين يعملون بها " يُهرّسون" اللغة العربية!
صحيح أن زين العابدين بن علي لم يعد رئيسا لتونس، و صحيح كذلك أن حسني مبارك لم يبق رئيسا لمصر، لكن ما هو غير الصحيح، أن نظام الحكم في هاذين البلدين قد سقط أو اختفى أو ذهب بلا رجعة. و لكل من هو مقتنع بعكس هذا الكلام، أقول سائلا: من هو نظام الحكم، حتى تحكم عليه بأنه سقط أو رحل أو ذهب ؟ من هو ؟ هل هو الرئيس أو الملك أو الأمير أو القائد الأعظم ؟ هل هو الزعيم "نمبر وان" و رئيس حكومته و كل وزراء حكومته ؟ هل هو الرمز الأول ( الملك أو الرئيس... أو ) و كامل أفراد طاقم حكومته، و ضبط جهاز الأمن؟ هل هو الرمز الأول و كل وزرائه و ضباط جهاز أمنه و ضباط جيشه من أعلى إلى أدنى رتبة ؟ هل هو الرمز الأول و كل الوزراء و ضباط الجيش و ضباط جهاز الأمن و كل ضباط و مسؤولي أجهزة الأمن الأخرى على اختلاف ألوان قبعات أعوانها و كل قيادات أجهزة المخابرات على اختلاف تسمياتها ؟ هل هو الرمز الأول و كل الوزراء و ضباط الجيش و ضباط جهاز الأمن و كل ضباط و مسؤولي أجهزة الأمن المتنوعة الأخرى و كل قيادات أجهزة المخابرات المختلفة و كل نواب الشعب في البرلمان و في كافة المجالس المنتخبة المحلية و الولاة ( كما هو الشأن بالنسبة للجزائر مثلا... لأن التسميات تختلف من بلد إلى آخر) و كل رؤساء الدوائر ؟ هل هو الرمز الأول و كل الوزراء و ضباط الجيش و ضباط جهاز الأمن و كل ضباط و مسؤولي أجهزة الأمن المتنوعة الأخرى و كل قيادات أجهزة المخابرات المختلفة و كل نواب الشعب في البرلمان و في كافة المجالس المنتخبة المحلية و الولاة و كل رؤساء الدوائر و مديري البنوك و عمداء الجامعات و من معهم من موظفين و موظفي الوزارات و الإدارات المحلية و مديري المدارس على اختلاف مستوياتها و أطوارها و تسمياتها؟
قد أذهب بعيدا في سؤالي هذا. و الإسهاب قد لا ينفعني في إقناع الكثيرين و ليس القلّة بأن كل فرد عربي يشغل أي منصب مهما بدا صغيرا أو يتحمل أي مسؤولية تسيير مهما قلّ شأنها، إنما هو جزء من ذلك الكيان الضخم المسمّى " نظام" ( أي نظام الحكم ) .. و قد يضحك البعض حينما يكتشفون أنني أعتقد أن أي فرد منا، حتى إذا لم يكن يشغل أي منصب و لا يضطلع بأي مهمة تسيير على أي صعيد كان، إنما هو كذلك، جزء من النظام.
إن ذلك الغول العملاق المسمى " النظام" ما هو إلا صورة مكبّرة لكائن مجهري اسمه " الفرد". فرد يكذب = نظام يكذب. فرد منافق = نظام منافق. فرد جبان = نظام جبان. فرد يسرق = نظام يسرق. فرد يراوغ = نظام يراوغ. فرد يغش = نظام يغش. فرد خائن = نظام خائن. فرد رديء = نظام رديء. فرد أناني = نظام أناني. فرد جاهل = نظام جاهل. فرد طاغية = نظام طاغية. فرد لا يخشى الله = نظام لا يخشى الله. فرد كسول = نظام كسول. فرد لا يفكر = نظام لا يفكر. فرد مستبد برأيه = نظام مستبد برأيه. فرد وسخ = نظام وسخ. فرد يخون الأمانة = نظام يخون الأمانة. فرد لا ينتج = نظام لا ينتج. فرد يعتدي على مال و دم و أعراض الناس = نظام يعتدي على مال و دم و أعراض الناس.... و القائمة طويلة.
على النقيض: فرد صادق = نظام صادق. فرد لا ينافق = نظام لا ينافق. فرد شجاع = نظام شجاع. فرد لا يسرق = نظام لا يسرق. فرد لا يراوغ = نظام لا يراوغ. فرد لا يغش = نظام لا يغش. فرد لا يخون = نظام لا يخون. فرد كفء = نظام كفء. فرد يفكر في الناس = نظام في الناس. فرد متعلم و مثقف = نظام متعلم و مثقف. فرد عادل = نظام عادل. فرد يخشى الله = نظام يخشى الله. فرد يعمل = نظام يعمل. فرد يفكر = نظام يفكر. فرد يقبل بآراء الآخرين = نظام لا يغلق الباب أمام آراء الآخرين. فرد نظيف = نظام نظيف. فرد أمين = نظام أمين. فرد ينتج = نظام ينتج. فرد يحفظ مال و دم و أعراض الناس = نظام يحفظ مال و دم و أعراض الناس... و القائم تطول كذلك.
إنني أستهلك طيلة أسابيع كمّا مقزّزا من الكلام عن أنظمة الحكم الفاسدة في البلدان العربية، لكني لم أسمع من يتحدث عن مجتمعات فاسدة في الوطن العربي.
نعم نحن العرب، نشكّل مجتمعات فاسدة، و لذا تحكمنا أنظمة حكم فاسدة، حتى أن أحد الأصدقاء يلحُّ على القول بأننا نكوّن مجموعات شيئية و ليس حتى مجرد مجموعات بشرية، و لكن لا نكوّن مجتمعات. في المقابل نريد لأنظمتنا الحاكمة أن تكون صورة طبق الأصل للأنظمة التي تحكم مجتمعات الولايات المتحدة الأمريكية، و فرنسا و بريطانيا و النرويج و السويد و الدنمرك و كندا و هولندا و بلجيكا و ألمانيا... و القائمة لا تقل طول عن طول ضياعنا و بأسنا و تعاستنا و فقرنا و جهلنا.
ما من عربي لا يعرف أنه: " كما تكونوا يولّى عليكم". و مع ذلك، نحن نتحدث عن أنظمة الحكم عندنا، كما لو أنها نزلت من السماء، و لم تخرج من لحمنا و دمنا.
في الغرب، تحكم أنظمة صالحة لأن المجتمعات صالحة.. و لأن الفرد صالح. عند العرب، تحكم أنظمة فاسدة لأن المجتمعات فاسدة .. و لأن الفرد فاسد. و أنا لست مستعدا لأن أخوض مع أي طرف كان، في إشكالية: من ظهر الأول الدجاجة أم البيضة ؟ أي من المتسبّب في إفساد الآخر: أنظمة الحكم العربية هي التي أفسدت مجتمعاتها ( إن يمكن الحديث عن مجتمعات ) أم أن المجتمعات العربية هي المسؤولة عن فساد الأنظمة التي تحكمها. لماذا لا أخوض في هذه الإشكالية؟ ببساطة لأنني أعرف منذ نعومة أظافري أن " العود المعوج يظل معوجّا" و أن العطّار لا يُصلح ما أفسده الدهر، و أن كل إنسان عربي بلغ سن البلوغ و هو أعوج ، سوف يبقى أعوجا بل و سيخلّف أناسا معوّجين مثله و ربما أكثر اعوجاجا منه.
إن العبرة بالنتائج... و أنا لا أرى - و هذا رأي الذي لا يلزم إلا شخصي- أي نتائج قد تحققت لا في تونس و لا في مصر، بعد كل تلك الثورات المسماة "مباركة" و بعد كل ذلك القتل و التقتيل و الحرق و التخريب و الهرج و المرج و الصراخ و القفز هنا و هناك ، كما أنني لا أتوهم تحقق أي نتائج لا اليوم في ليبيا و لا غدا في أي بلد عربي ، لأن مأساتنا أعمق من أن تُختزل في إسقاط اسم أو مجموعة أسماء . فكلنا نظام و نحن النظام و النظام ما هو إلا نحن. إن العيب فينا.
يذهب زين العابدين بن علي، يأتي زين عابدين آخر، تونسي مثله لكنه لن يحقق لشعب تونس لا الرخاء و لا الرفاه و لا العيش الكريم و لا الحرية و لا الأمن و لا الديمقراطية.
يرحل حسني مبارك، يخلفه حسني مبارك آخر، مصري الدم و الجنسية، لكنه لن يعطي للشعب المصري لا حرية و لا ديمقراطية، و إن أعطاهم حرية و ديمقراطية، فانه سوف لن يعطيهم ما يكفي من " عيش" ( خبز).
يختفي معمر القذافي، فيأتي بدلا منه قذافي آخر لا أحد يشكّك في ليبيته، لكنه سوف لن يقدم للشعب الليبي أكثر من الوهم و كثيرا من السرّاب. و عندنا في الجزائر، يرحل بوتفليقة، و لا أنتظر منذ الآن، من يقنعني بأن بديل بوتفليقة سوف لن يكون لا أحسن منه و لا أسوأ منه.. لأن ذلك البديل، ببساطة سيكون بوتفليقة لا أكثر و لا أقل.
شهيّة طيّبة.. بالصحة و الهناء... مزيدا من التلذّذ بالأطباق التي تقدمها لنا " الجزيرة" و " العربية " ، و لكن علينا أن نعلم بأن الشمس أقسمت بألا تشرق إلا من الغرب.. و على الغرب، و على الغرب وحده (!) و أننا مهما أسقطتنا من أسماء و أوهمنا أنفسنا بأننا أسقطتنا أنظمة حكم، فإننا في الشقاء ننعم ، و إلى الأبد بإذن الله. لأن الأجدر بنا كلنا أن نُسقط أنفسنا أولا... فالمرض فينا.. في كل واحد منا، و ليس في أنظمة حكمنا وحدها.

جمال الدين حريز
كاتب صحفي جزائري حرّ و مستقل
03 مارس 2011

الجمعة، 26 نوفمبر، 2010

عيد ميلاد " مبارك" !


الناس على دين ملوكهم

الرئيس فتيز جيرالد كيندي، واحد من أشهر شخصيات القرن الماضي، لكنه أيضا، واحد من ألمع رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، و هذا ليس فقط لكونه كان شابا، و ليس فحسب لأنه مات مغتالا، و إنما أيضا لأنه كان " كيندي" و كفى ... هناك أشياء لا يمكن لا تفسيرها و لا تبريرها.
كيندي تذكرته منذ أيام قليلة، و كالمجنون رحت أفتّش في الأرشيف السينمائي العتيق، بحثا، عن مشهد قديم ( بالأسود و الأبيض) اعتلت فيه النجمة الشقراء مارلين مونرو، المنصّة يوم 19 ماي 1962، و أمام 15000 رجل و امرأة من العيار الأمريكي الثقيل، غنّت للرئيس كيندي أغنيتها الشهيرة " عيد ميلاد سعيد سيدي الرئيس ". يومها كان كيندي يحتفل بعيد ميلاده الـ 45 .
الأغنية كان لها طعم خاص بالنسبة لكيندي، و هذا ليس لأن المرأة التي أدّتها، جميلة، و ليس لأنها نجمة، و إنما لأن علاقة حب سرية كانت تربط بينها و بين الرئيس كيندي.
الكلمات القليلة التي ردّدتها مارلين في أغنيتها تلك، دخلت التاريخ، على الرغم من أن كل سكان هذا الكوكب التعيس يعرفون منذ فجر التاريخ happy birthday to you . غير أن أغنية مارلين المرتجلة دوّنها المؤرخون أولا لأن المرأة التي غنّتها لم تكن أي امرأة، و الرجل الذي لأجل عينيه، غنّت لم يكن أي رجل، و كل الذين كانوا حاضرين يوم غنّت مارلين لكيندي، لم يكونوا أي رجال و لا أي نساء .. و أخيرا، الأغنية احتفظ بها التاريخ لأن علاقة الحب التي كانت تجمع بين مارلين و كيندي، لم تكن ككل قصص الحب . بدليل أن كيندي نفسه، خاطب مارلين أمام الملأ، بعدما سمع أغنيتها تلك، قائلا لها: " الآن، و قد سمعت "Happy Birthday" تُغنّى بهذا الشكل العذب الجميل، يمكنني أن أنسحب من السياسة !" .
و حينما بدأ الأمريكيون و باقي بشر العالم يكتشفون يوما بعد يوم، فصول قصة الحب السرية التي كان يستهلكها الرئيس الأمريكي المغتال و الممثلة الأمريكية المتوفاة في ظروف غامضة، ازدادت قيمة تلك الأغنية. و إلى يومنا هذا ، لم يستطع أي رئيس و لا ملك و لا أمير احتفل بعيد ميلاده أن ينافس حفل عيد ميلاد الرئيس كيندي، الذي غنّت فيه مارلين مونرو..رغم كل البذخ و الجنون الذي يقوم به كل أولئك الرؤساء و الملوك و الأمراء في أعياد ميلادهم، و رغم كل الفنانات و الراقصات اللائي يأتون بهن للتعبير عن فرحتهن باليوم الذي ولدوا فيه، و رغم أن مونرو لم تقل في أغنيتها أكثر من " عيد ميلاد سعيد سيدي الرئيس"!
الآن، أنتم تتساءلون دون أدنى شك عن السبب الذي جعلني أسترجع فجأة تلك الواقعة التي مرّ عليها أزيد من 46 سنة. سأقول لكم !
لقد استرجعت الحدث، عندما قرأت في إحدى الصحف الجزائرية، خبرا مدعما بصورة، يقول أن وزيرنا للشؤون الدينية السيد الكريم أو الأستاذ الفاضل أو العالم الجليل ( ربما ! ) بوعبد الله غلام الله محاطا ببعض الأئمة، قد احتفل بعيد ميلاد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمدينة عنابة!
طبعا، أنتم تتساءلون ثانية ربما: و أين يكمن وجه الشبه بين الحدثين ؟! أنا أؤكد لكم بأنه لا مجال للمقارنة بين كيندي و مارلين مونرو، و بين بوتفليقة و بوعبد الله غلام الله، خصوصا و أن في حالة الولايات المتحدة الأمريكية، كانت هناك عاشقة تغنّي لمعشوقها، بينما في حالة الجزائر، كان هناك وزير يحتفل بعيد ميلاد رئيسه. طبعا، أيها الأصدقاء، ما من تشبيه بين الحالتين. ضفوا إلى ذلك أن في الحالة الأولى، كانت مارلين مونروا ترتيدي لباسا شفّافا " مختصرا"، بينما في الحالة الثانية، كان بوعبد الله غلام الله " مستورا" بقشابة و عمامة أو بدلة أنيقة و ربطة عنق في أسوأ الأحوال. ناهيكم عن وجه اللا شبه الآخر الموجود بين الحالتين، بحيث أنه في القصة الواقعية الأولى، كانت مارلين مونرو تغني على بعد أمتار معدودة من عشيقها الرئيس كيندي، بينما في القصة الحقيقية الثانية كان بوعبد الله غلام الله يحتفل بعيد ميلاد الرئيس بوتفليقة على بعد مئات الكيلومترات !
من العبث إذن أن أنفي صحة تساؤلكم عندما تقولون: " أي تقارب يمكن إيجاده بين الحالتين ؟! ". أنا معكم، و لكن أرجوا أن تعرفوا بأنني لا أبحث عن مدى التشابه بين الحالتين، لأنني قلت لكم منذ البداية بأن مارلين مونرو لم تكن أي امرأة، و قد غنّت لكيندي الذي لم يكن لا أي رجل و لا أي رئيس.
ما أردت و لا أزال أسعى إلى معرفته، هو إذا كانت مارلين مونرو، قد غنّت للرئيس كيندي، في عيد ميلاده، قائلة له: " هابي بيرز داي ميستر بريزيدنت ". فماذا يكون قد قال بوعبد الله غلام الله للرئيس بوتفليقة ، و هو يحتفل بعيد ميلاده، و لو من عنابة.. و لو من بعيييييد... و لو لم يسمعه بوتفليقة، و لم يسمع عنه .. ماذا يكون قد قال له هو و من كان معه من أئمّة،: " سنة حلوة يا جميل ؟ " أنا أسأل لأنني أجهل إذا ما كانت " سنة حلوة " تجوز أو لا تجوز، و لأنني لا أعرف ماذا يقول الأئمة في أعياد الميلاد.. هل قرأوا الفاتحة على بوتفليقة ؟ هل اكتفوا بأكل ما تيّسر من كعك طيّب و شربوا ما قدر الله لهم من عصير و ڤزوز مبارك إن شاء الله، ثم رفعوا أيديهم إلى السماء، و قالوا: " الله يطعم من أطعمنا و يسقي من سقانا " أم لأنهم يعرفون جيدا أن بوتفليقة طليق اللسان بالعربية، و لكنه يفضل الفرنسية،فقد غنّوا له " joyeux anniversaire monsieur le président " ؟ .. أنا أسأل، لأنني لا أعرف كيف يحتفل الأئمة بأعياد الميلاد، عموما و أعياد ميلاد الرئيس على وجه التحديد. ثم، هذه، المرة الأولى التي أسمع فيها عن أئمة يحتفلون رفقة وزيرهم بعيد ميلاد الرئيس.. إنني أسأل ؟!
مارلين مونرو، يوم 19 ماي 1962، لم تكتف بأغنيتها الشهيرة، و إنما قدّمت لعشيقها الرئيس كيندي، ساعة من الذهب الخالص، نقشت على خلفها بضع كلمات.
الآن، أنا أريد أن أعرف ، إن كان بو عبد الله غلام الله و من معه من أئمة كرام، قد خصّوا الرئيس بوتفليقة بهدية أو هدايا، لأني بصراحة من كثرة الفتاوى و الخطب لم أعد أعرف أي الهدايا تجوز عموما و أي الهدايا يحلّ تقديمها للرئيس عندما يحتفل بعيد ميلاده. ثم أنا لا أتصور وزير شؤون دينية مثل بو عبد الله غلام الله، و أئمة مثل الذين شاركوه الاحتفال بعيد ميلاد الرئيس par télépathie ، بكل ما أبدوه من تحضّر و تمدّن و تفتح و اتيكيت يجرؤون على الذهاب إلى حفل عيد ميلاد الرئيس من دون هدية .. عيب !
الساعة التي أهدتها مارلين مونرو لكيندي في عيد ميلاده، بيعت في مزاد علني عام 2005 بما لا يقل عن 120 ألف دولار. السعر الذي بيعت به الساعة، لم يكن مقدّرا لوزنها من الذهب، و إنما كان تقديرا لصاحبة الساعة التي كانت مارلين مونرو. فأي قيمة مالية ستقدّرُ بها هدية غلام الله المجهولة، لو تُطرح للبيع في مزاد علني، بعدما لا يبقى بوتفليقة رئيسا لهذه الجمهورية ؟!
حمّه لفرودور أخبرني بأن بوتفليقة لم يكن مستعدا لتلقي أي هدية من أي كان، لأنه في نفس الوقت الذي كان فيه بوعبد الله غلام الله و الأئمة الأفاضل يحتفلون بعيد ميلاده بعنابة، كان هو (أي بوتفليقة ) الذي يوزع الهدايا على خلق الله في هذا البلد ! نعم، الرئيس هو الذي وزع الهدايا في عيد ميلاده، و لم يستثن أحدا، لا عمّال بدون أجور منذ أن كان بوتفليقة يقول: " للكعبة ربّ يحميها"، و لا فلاحين لم يسدّدوا ديونهم البنكية، و لا عاطلين عن العمل، ،و لا طلاّب جامعات، و لا متقاعدين، و لا شيوخ و لا عجائز و لا معاقين ... باختصار هدايا بمئات المليارات، و هذه البداية " ما زال مازال" كما يقول رابح درياسة.
حمّه لفرودور أضاف: يرحم والديك، رجل مثل بوتفليقة قادر على توزيع كل هذا الحجم من الهدايا، ماذا يفعل بهدايا غلام الله و من رافقه من أئمة ؟ بل ماذا يفعل بغلام الله ذاته و كل الذين شاركوه الاحتفال بذلك عيد الميلاد ؟!
المهم، بارك الله في السيد غلام الله، و بارك الله في الأئمة الكرام الذين أبوا إلا أن يشاطروا وزيرهم، الاحتفال بعيد ميلاد الرئيس، و بارك الله في كل من لم يفوّت الفرصة، و خطّط و دبّر للمناسبة، و بارك الله في أنا كذلك، لأنني على وشك أن أثبت بأنه لا تشابه بين مارلين مونرو و بين غلام الله، و بين بوتفليقة و بين كيندي، خصوصا و أن مارلين كانت شابة لا يتعدى عمرها 36 سنة، غنّت لرئيس شاب لا يتعدى عمره 45 سنة، بينما غلام الله " شايب" احتفل بعيد ميلاد " شايب" ..c'est pas kif kif ! كما أن مارلين كانت نجمة ، ثوب الفرو الذي ارتدته يوم غنّت لعيد ميلاد كيندي، بيع في مزاد علني عام 2006 ( شدّوا حيلكم ) بما لا يقل عن مليون و 300 ألف دولار ، بينما في الحالة الجزائرية، مجرد وزير بقشابة، أكل من كعكة عيد ميلاد الرئيس، لا لشيء إلا ليثبت للجزائريين ربما بأن الاحتفال بأعياد الميلاد ليس حراما، ما لم يتعلق الاحتفال بعيد ميلاد المسيح. ثم إن مارلين عندما غنّت لكيندي يُقالُ أنها كانت تعيش أتعس ما تبقى من أيام حياتها، و أنها لحظة غنائها كانت منتشية بمخدّر " الكراك"، بينما عندنا ، غلام الله، عندما احتفل بعيد ميلاد بوتفليقة، كان " يا دوب" بدأ يعيش أجمل أيام حياته، حتى و إن كان منتشيا هو كذلك لكن .. بالعهدة الثالثة.السلام عليكم.

لحسن الحظ أن الله يرى و يسمع


جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة
حكمة

طفلان جزائريان وُلدا في نفس الشهر، لكن أحدهما رأى النور في عام 1991، و الثاني خرج إلى الحياة في العام الموالي أي عام 1992. الأول ( أي الذي ولد عام 1991) يدرس حاليا في الأولى جامعي، بينما الثاني ( أي الذي ولد عام 1992) أنهى منذ أيام فقط، الثلاثي الدراسي الثاني للسنة الأولى ثانوي، مع أن الفارق في العمر بين الاثنين، لا يتعدى العام الواحد ! .. مما يشكو الطفل الثاني برأيكم ؟ هل أعاد كم من عام دراسي في الابتدائي أو في المتوسط أو في المرحلتين ؟ هل هو غبي، هل هو متخلف ذهنيا .. أم أنه ذكي، و يتمتع بكامل قواه العقلية و العصبية و الجسدية، لكن العيب في والده و أمه اللذان لم يعتنيا به، كما فعل والدا الطفل الأول ؟ كل هذه الأجوبة خاطئة، لأن لا عيب لا في الطفل الثاني و لا في والديه .. و إليكم التفسير.
القصة و ما فيها أن والد الطفل الثاني ( المولود عام 1992) رجل يؤمن بالقانون، و لأن قانون هذا البلد حدد السن القانونية لالتحاق الأطفال بمقاعد الدراسة لأول مرة، في 6 سنوات، فان الوالد الذي لم يكن يعرف بأنه يعيش في بلد NORMAL انتظر 6 سنوات بالتمام و الكمال قبل أن يقتاد طفله إلى المدرسة ، على الرغم من أن زوجته، ما انفكت تنبهه إلى ما كانت قد سمعته من بعض جاراتها اللائي كشفن لها بأن أزواجهن سجّلوا الأبناء في السنة أولى ابتدائي رغم أعمارهن التي لم تتعد الخمس سنوات فقط. لكن صاحبنا ظل يرد على زوجته بأن الذين سنّوا قوانين هذا البلد يعرفون جيدا ما يفعلون لأنهم أناس " عندهم في الدماغ "، و بالتالي ما دام هؤلاء قالوا أن أبناء الجزائر، يجب ألا يلتحقوا بالمدرسة قبل سن السادسة، فما من شك أن في ذلك حكمة عظيمة. الزوجة المغلوبة على أمرها، ظلت تترجاه كي " يلعن إبليس" و لا يحرم الطفل من التعلم في سن الخامسة، لأن لشقيقتها طفلة لم تبلغ من العمر حتى خمس سنوات ( 4 سنوات و بضعة شهور)، و مع ذلك استطاع أبوها أن يسجلها في الأولى ابتدائي " و ربّي كبير" ! .. إلا أن صاحبنا كان يرد عليها بأن العلماء يقولون أن الطفل الذي يلتحق بالمدرسة في سن مبكرة، مصيره فشل دراسي ذريع في المستقبل حتى و إن أبدى ذلك الطفل تفوقا ما في أعوام الدراسة الأولى. لكن الزوجة المسكينة التي لا رأي يُسمع لها، كانت تقول له " ربّي يهديك" إن كلام العلماء يعني أطفال المجتمعات الأخرى، و تعليم الأمم الأخرى، و مدارس الدول الأخرى، بينما نحن في الجزائر، مثلما يمكن لرجل في سن السادسة عشرة أن يدرس في الأولى ابتدائي، يمكن أيضا لرضيع حديث الولادة أن يشاطره الطاولة في ذات القسم الدراسي .. لكن لمن تلقي زبورك يا داود، فصاحبنا ظل " راكب دماغه" كما يقول المصريون، و ما كان إلا أن ترك طفله حبيس البيت ، و لم يسمح له بارتداء المئزر إلى أن بلغ من العمر 72 شهرا.
هذا ما فعله والد الطفل الثاني، بينما والد الطفل الأول ( المولود عام 1991)، و لأنه كان يدرك دون شك بأنه يعيش في بلد " كل شيء ممكن"، فقد أخذ ابنه من اليد ما أن بلغ من العمر 5 سنوات، و ضمّه إلى تلاميذ الأولى ابتدائي ، على الرغم من أن أمه " القارية" ما انفكت تعارض هذا الفعل، مبرّرة رفضها بضرورة أن يلعب الطفل ست سنوات كاملة قبل أن يلتحق بالمدرسة. لكن زوجها كان دائما يرد عليها بالقول: "لا تحزني، ففي هذا البلد، سيكون بمقدور ابنك أن يلعب و يتلاعب، طيلة عمره. حمدا لله أن بلدنا لا يمتلك إلا اللعب بعد النفط و الغاز !".
مرّت السنوات ... أنهى الطفل الأول ( المولود عام 1991 و الذي التحق بمقاعد الدراسة في سن الخامسة) ست سنوات في المرحلة الابتدائية، و حينما كان يجتاز امتحان السادسة للانتقال إلى الأولى متوسط، كان الطفل الثاني يجري الامتحان الأخير للسنة الرابعة ابتدائي، حالما فقط بأن ينتقل إلى السنة الخامسة ابتدائي .. مع أن فارق العمر بين الطفلين، عام واحد كما ذكرت!
.. و مرت الأيام و الأسابيع و الشهور، و انتقل الطفل الأول ( المولود عام 1991 و الذي التحق بمقاعد الدراسة في سن الخامسة) إلى الثانوية ( ربّي يبارك).
حينما كان ذلك الطفل يجلس على مقعد الأولى ثانوي معتزا بنفسه، كان الطفل الثاني يكتشف أولى الحصص الدراسية للسنة الثانية متوسط، لكن الطفل كان حزينا جدا جدا.. لماذا ؟ لأن وزارة أبو بكر بن بوزيد كانت قد قرّرت أن تمدّد فترة الدراسة في المرحلة المتوسطة من ثلاث إلى أربع سنوات ! .. ماذا يعني، هذا ؟ انه يعني ببساطة أن الطفل الأول ( المولود عام 1991 و الذي التحق بمقاعد الدراسة في سن الخامسة) لم يدرس في المتوسط إلا ثلاثة أعوام فقط، بينما كان من سوء حظ " الزوّالي" الثاني ( الذي ولد عام 1992 و الذي التحق بالدراسة في سن السادسة) أنه درس أربع سنوات في المرحلة المتوسطة. مع أن الفارق بين عمري الطفلين لا يتعدى العام الواحد.. يا الله !
.. و مرّت ثلاث سنوات .. و حل شهر جويلية .. موسم إعلان نتائج الامتحانات.. و حينما كان الطفل الأول ( المولود عام 1991 و الذي التحق بمقاعد الدراسة في سن الخامسة) يحتفل مع أمه و والده و أصدقائه و زملائه و الجيران، بنجاحه في امتحان شهادة الباكالوريا، كان الطفل الثاني يحتفل بنجاحه في امتحان الرابعة متوسط، و غصّة تسد حنجرته! لماذا ؟ لأنه كان يعرف بأن الطفل الأول الذي لا يبعد عنه في العمر إلا بعام واحد، عندما يدخل المدرج الجامعي بعد انقضاء الصيف، لن يدخل هو إلا حجرة تلاميذ الأولى ثانوي.. مع أن الفارق بين الطفلين، 12 شهرا فقط!
أتعس من هذا، بينما كان الطفل الثاني ينهي عامه الرابع في مرحلة تعليمه المتوسط، عكس الطفل الأول الذي لم يقض أكثر من ثلاث سنوات فقط في نفس المرحلة، ينزل على رأسه خبر كالصاعقة.. شقيقه الصغير، سيكون بمقدوره أن يلتحق بالمتوسطة بعد خمس سنوات فقط في المدرسة الابتدائية بدلا من ست سنوات !
المعلمون الذين درّسوا جيلي، المعربون منهم و المفرنسون، كانوا كلما يروون لنا، واحدة من قصص " لافونتان" (بالفرنسية) أو " كليلة و دمنة " لعبد الله بن المقفع( بالعربية ) .. و هي قصص ناطقة على لسان الحيوان، كانوا ، لا يختمون الحصة قبل أن يفيدون بشيء اسمه " العبرة" الواجب استخلاصها من كل واحدة من تلك القصص. فأي عبرة يمكن استخراجها من قصة الطفلين اللذين لا فارق بين عمريهما إلا عام واحد ؟.. العبرة هي: " من يسلك الطريق السوي في هذا البلد، يتعب.. و يخسر".. " تطّفر فيه" كما يقول الجزائريون !
هذه العبرة أراها تنطبق بنسبة مائة بالمائة على من يُسمّون الفلاحون الذين سمح لهم الرئيس بألا يسدّدوا المليارات التي أخذوها من البنوك على سبيل القروض. من الذي تعب و خسر في قصة القروض البنكية الفلاحية، هذه ؟ أنا أسأل و أنا أجيب: " الذين خسروا هم الأشخاص الذين يؤمنون بالقانون، و يخافون من القضاء و من حكم القاضي .. الذين سدّدوا ديونهم ... الذين أخذوا الطريق المعتدل.. الذين لم يختاروا الطريق الملتوي". و أظن أنكم اطلعتم مثلما اطلعت على قصة ذلك الفلاح المسكين الذي أصيب بشلل تام بعدما علم بـ" العفو" الذي أقرّه بوتفليقة لصالح الفلاحين الذين أخذوا أموالا و لم يسددونها ، بينما كان ذلك الرجل المسكين قد سارع إلى البنك و سدّد دينه، فقط يوما واحدا قبل أن يعلن بوتفليقة، ذلك العفو.
حكام الجزائر الحكماء، يتكلمون كلهم عن العدل و عن سيادة القانون، بينما هم أكبر مقدّمي الدروس في اللا عدل و في وضع القانون " تحت الصبّاط".
عودوا معي إلى 1962.. مباشرة عقب إعلان استقلال البلد، و أنتم تكتشفون بالشهادات و الشواهد و الدلائل و الوثائق أن " القافزين" الذين فهموا مبكّرا المنطق الذي يسود بلد " نورمال"، عاشوا بجسدين واحد هنا في الجزائر، و الثاني في بلد المستعمر.. في فرنسا، و أقاموا في فيللّتين فخمتين مقتحمتين بالقوة.. بـالـ l'arrache clou.. الفيللا الأولى في الجزائر ، و الفيللا الثانية حصلوا عليها برضا المستعمر السابق في " ففّا" ، و تقاضوا منحتين ماليتين،واحدة بالدينار من مال الززاير، و الثانية بالفرنك الفرنسي من خزينة البلد المستعمر .. و حتى الليل كانوا يقضونه في فراشين، واحد تنام عليه ابنته الدوار هنا في الجزائر، و الثاني تتمدّد عليه فرنسية! أما الآخرون .. أولئك الذين مشوا في الطريق المستقيم كما يٌقال، فلحسن الحظ أن الله لهم.
لن أسهب في إعطاء الأمثلة عن اللا عدل في هذا البلد، و لا أنا في حاجة إلى ذلك، لأنني أعرف أيها الأصدقاء بأن ما تعرفونه أنتم من أمثلة عن الظلم، لا يكفي ورق العالم لتدوينها، و إذا يحدث لكم أن تعثروا على " مخلوق" لا يفهم ما تقولون حينما تتحدثون عن " اللا عدل" أطلبوا منه أن يلتفت يمينا، ثم يسارا فقط، و هو يرى الظلم في كل مكان ... سيراه حتى لو هو أعمى. السلام عليكم.

100 % تفاؤل


إذا جعلت نفسك دودة على الأرض فلا تلم من يدوسك بقدمه
مثل معروف

عندما أرتكب حماقة القيامة بإطلالة عابرة للتلفزيون الجزائري، كذلك الذي المغترب السعيد الذي يزور بلده مرة في الثلاثين سنة، فيقسم بأغلظ يمين، و هو لا يزال داخل المطار ألا يعود إلى حيث جاء مهما حدث.. عندما أكتشف من ضمن عناوين نشرة أخبار التلفزيون الجزائري، خبر إيصال الغاز الطبيعي لبعض سكان منطقة جمعة بالوادي، أعرف أن الجزائر هي فعلا بلد الغاز بامتياز، و إلا لما تفاخرنا تلفزيونيا أمام بشر العالم بنجاحنا عام 2009 في بتمكين جزء من أهالي تلك المنطقة من الجنوب بما تسميه بعض الأقلام " غاز المدينة".
و عندما أقضي ثلاث ساعات أنتظر دوري في طابور بواحدة من محطات " نفطال" لتزويد سيارتي بالبنزين، أقتنع أكثر بأن حكام الجزائر يمكنهم أن يقولوا و يكرروا لمن لم يسمع بأن هذا البلد هو بلد البترول" و نصّ "، بدليل أننا أصبحنا نموت اختناقا بالغاز، و خوفا من أن نموت بالتخمة النفطية تركنا الشاطرين منا يتولون تهريب الفائض من المازوت إلى جيراننا بكل من تونس و المغرب.
و عندما أشهد أمام الله أن طرقا بإحدى المدن الجزائرية، شرع المسؤولون في إصلاحها، لكنهم حفروا " باباها" و احتاروا في أمرها أو نسوها طيلة شهور عديدة، و لكنهم ما أن تلقوا الخبر اليقين بأن بوتفليقة سيأتي لينشط تجمعا شعبيا في إطار حملته الانتخابية، ظهر " الرجال" و عملوا 25 على 24 ساعة (و ليس 24 على 24) ليثبتوا مرة أخرى أنهم " رجال واقفون" و عُبّدت كل تلك الطرق في ظرف ثلاثة أيام، حينها و حينها فقط أقتنع بأن كل الذين يعيشون بالخارج و يرفضون العودة إلى الززاير، مخطئون بكل المقاييس.
و عندما يتكرم ساركوزي بـ "حنانة" من بضعة ملايين يورو على سبيل التعويض عن الضرر الذي لحق بسكان الجنوب الجزائري نظير التجارب النووية الفرنسية التي أُجريت إبان الحقبة الاستعمارية، أتيقن بأن أحمد أويحي على حق عندما يقول أن الجزائر اليوم ليست بحاجة إلى أي مستثمرين أجانب لأنها تكتنز أكثر من 140 مليار دولار. فنحن لأننا كسبنا هذا الحجم من المال، نرفض أن يأتينا مستشمرون ببضع مئات من ملايين الدولارات، و لكننا في الوقت نفسه نعبّر عن ارتياحنا " العميق" لصدقة فرنسية لا تتعدى قيمتها العشرة ملايين يورو.
و عندما أسمع الوزير المعني، يرجع سبب ارتفاع سعر السردين، إلى مجرد خلل في التوزيع لا أكذّب الذين قالوا منذ عشريات بأنه من الصعب أن يترقى الجزائري من رئيس مكتب إلى رئيس مصلحة، لكن أن يصبح وزيرا فهذا أسهل بكثير.
و عندما أتابع ككل الجزائريين، تطورات الحملة الوطنية التي قادها وزير الصحة ضد الوسخ في مستشفياتنا،أستنتج أن " ابّا" الذي يقول له بوتفليقة " ارفع رأسك" أكل رأسه في مستشفى جزائري بسبب الوسخ و ليس بسبب العلّة التي كان يشكو منها. و أقدّر أكثر موقف عمار تو، حينما أُصيب بوعكة صحية و فضل العلاج بأحد مستشفيات فرنسا، مع أنه كان وزيرا للصحة في هذا البلد.
و عندما أطلع على خبر يفيد بأن وزير الداخلية يتوعد الولاة بالعقاب، ما لم تسجل ولاياتهم نسب مشاركة عالية في الانتخابات الرئاسية، أقتنع بأن نفس الولاة "أدوا الأمانة" كما كان مطلوبا منهم خلال الانتخابات الماضية، و المطلوب منهم الآن أن يحجبوا الأمانة كي لا يراها أحد.
و عندما أقرأ أن نوارة جعفر تدعو نساء الجزائر لمنح أصواتهم لمرشح النساء السيد عبد العزيز بوتفليقة، أستنتج بأن الرجال فصيلة في طور الانقراض بهذا البلد، و إلا لما خسرت مرشحتهم لويزة حنون.
و عندما أرى سعيدة بن حبيلس لا تزال تظهر هنا و هناك، تارة كواحدة من أنصار بوتفليقة، و تارة باسم المجتمع المدني و تارة أخرى باسم خالات الريف على ما أعتقد، لا أعرف ماذا يحدث لي، حيث أنني أصبح أرى الجزائر تشع نورا.
و عندما أسمع لخليدة و هي تتحدث عن القدس عاصمة أبدية للثقافة العربية، أحمد الله الذي جعل الجزائريين أكبر بشر العالم صبرا، و أقلّهم انتحارا.
و عندما أسمع وزيرنا لتكنولوجيات الاتصال يتحدث عن آفاق الانترنت الواعدة بالجزائر، أفهم لماذا اختارت جماعة بوتفليقة مضيّفا سويسريا لموقع حملة المرشح المستقل، الانتخابية على الشبكة العنكبوتية.
و عندما أسمع الشريف رحماني يتحدث عن مخطط لإنعاش السياحة، أتساءل إن سبق لهذا الرجل أن تشرّف بالدخول لواحد من مراحيض مطار الجزائر الدولي.. خارج مراحيض القاعة الشرفية طبعا.
و عندما آخذ ورقة نقدية من فئة 200 دينارا، و أتأمل فيها، أتذكر فيلما جزائريا قصيرا مات صاحبه من دون أن ينجزه، و عنوانه " وجه الجزائر الحقيقي".
و عندما تصبح الصكوك البريدية انجازا يتحدث عنه كبار المسؤولين للإذاعة و لوكالة الأنباء و الصحف، و هدية يفاجئ بها الرجل زوجته يوم عيد المرأة ، أتساءل إذا كان هذا الموجود اليوم بريدا، فماذا نسمّي ذلك الذي كان موجودا في الستينات و السبعينات ؟
و عندما أسمع غلام الله يصف كل من يقاطع الانتخابات بالشخص الآثم، أفهم لماذا سهُل على المسيحيين ممارسة التبشير وسط الجزائريين.
و عندما أرى أطفال الجزائر يخرجون من المدارس و أيديهم تحمل شيئا من الخبز و قطع جبن لا تحمل علامة لا البقرة التي تضحك و لا المعزة التي تبكي، و لا أي أمارة تشير إلى صانعها، أقتنع أن تلاميذ الستينات و السبعينات كانوا يأكلون في مطاعم خمسة نجوم.
و عندما أرى شبابا يقودون سيارات رباعية الدفع، و يضعون على أعينهم نظارات سوداء، لا يقل ثمن الواحدة منها عن ثلاثة ملايين، و أسأل: من يكون هؤلاء ؟ فيُقالُ لي: إنهم فلاحون ممسوحو الديون البنكية، لا أحتاج لمن يقنعني بأن "الحراڤة " أساءوا التقدير و أنه كان بإمكانهم أن يشتروا بثمن أماكنهم في قوارب الموت، مجرد " كواغط" تحولهم إلى أثرياء بين اعذار بالدفع يبلغه محضر قضائي و خطاب يلقيه الرئيس.
و عندما أتناول علبة كاملة من الأقراص جزائرية الصنع، من دون أن يتوقف الصداع الذي يخرّب رأسي، أفهم لماذا فضّل مهندس دولة في الإلكترونيك، أن يتفرغ لتجارة الأعشاب.
و عندما أسمع أن أحد أفخم فنادق " الجزائر البيضاء" يمنح زبائنه، مع مفتاح الغرفة، قارورتي ماء، واحدة لمواجهة العطش ليلا، و الأخرى لغسل الوجه صباح اليوم الموالي، أتساءل: لماذا يضحّي الجزائريون بأجمل أيام عطلهم السنوية في تونس ؟!
و عندما أسمع عن نيّة حكام البلد ، في تجريد الجزائريين من هوائياتهم المقعرة، أقتنع أن التغيير الذي يتحدث عنه الكل، لم يعد بعيدا، لأن الشعب ... أخيرا سينتفض، و سوف لن يهدأ له بال إلى أن يطيح بذلك الغول المسمى " النظام".عندما أرى و أسمع و أقرأ... أتفاءل، فتفاءلوا معي !